وهبة الزحيلي
248
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التراخي في الوجود « 1 » وَأَنْزَلَ لَكُمْ وقضى لكم وقسم ، لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء ، حيث كتب في اللوح : كل كائن يكون . أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم - الضأن والمعز ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أي جعل من كل صنف من الإبل والبقر والضأن والمعز ذكرا وأنثى . وهي جمع أزواج ، والزوج : اسم لكل واحد معه غيره ، فإن انفرد فهو فرد خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي بالتدرج من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام مكسوة لحما فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ هي ظلمة البطن وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة أو الصلب ذلِكُمُ الذي هذه أفعاله اللَّهُ رَبُّكُمْ هو المستحق للعبادة والمالك لَهُ الْمُلْكُ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا يشاركه في الخلق غيره فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره . غَنِيٌّ عَنْكُمْ عن إيمانكم وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ رحمة عليهم وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ لأنه سبب فلا حكم ، أي وإن تشكروا اللّه فتؤمنوا يرض الشكر لكم وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لا تتحمل نفس آثمة ذنب نفس أخرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالمحاسبة والمجازاة إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بحديث النفس ، فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم . المناسبة : بعد أن أبان اللّه تعالى في الآية المتقدمة كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا قهارا غالبا ، أي كامل القدرة ، أعقبه ببيان الأدلة الدالة على الوحدانية وكمال القدرة وكمال الاستغناء عن أحد من خلقه ، فذكر ثلاثة أدلة : خلق السماوات والأرض وما فيهما من العوالم ، وتذليل الشمس والقمر لقدرته ، وتسييرهما في نظام ومسار دقيقين ، وخلق الإنسان الأول وتشعيب الخلق منه ، وخلق ثمانية أزواج من أنواع الأنعام ذكرا وأنثى ، وفي كل دليل من هذه الأدلة أدلة ثلاثة أبينها بمشيئة اللّه هنا .
--> ( 1 ) يعني أن ثُمَّ كما تكون للترتيب في الزمن مع التراخي ، تكون أيضا لمطلق الترتيب . والمعطوف عليه هنا مقدر هو خلقها .